جلال الدين الرومي

10

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

ولا أظن أن صوفيا ما يري بإثبات الصفات للإنسان ، بل أن الهجويرى برغم مخالفته الظاهرة للبسطامى يخلص إلي نتيجة أقرب إلى فكر البسطامي ، ويرى أن كل مشايخ الصوفية يتفقون علي أنه عندما يفر الإنسان من أسر المقامات ، ويتخلص من ظلام الأحوال ، ويتحرر من عالم الكون والفساد ، يكون حضوره مع الله بلا نهاية ، ولا يبقى وجوده متعلقا بعلة ، بل يصير ربانيا يفني عن دنياه واخرته « 1 » . هذا ما يسميه مولانا جلال الدين الميلاد الثاني ، وهو ليس إلا موت الذات والبقاء في الله وهو ما يعبر عنه بقوله : « وعندما يولد المرء للمرة الثانية ، فإنه يضع قدمه فوق مفرق العلل - فلا تكون العلة الأولي دينا له ، ولا تحقد عليه العلة الجزئية أو تعاديه » « 2 » . وكل القياسات التي يقدمها مولانا لبيان هذه الفكرة عن فقدان الذات البشرية الذي يعبر عنه الصوفية عموما بلفظ الفناء ليس إلا تحول النفس الدنية إلى نفس عالية أو ما عبر عنه الهجويري ب « إسقاط الصفات المذمومة وابدالها إلي صفات محمودة » « 3 » ، ولا يمل مولانا من تصوير الجهاز الدقيق للحياة الكلية الإلهية ، وعلي كل امريء أن يسعي لكلى يصبح جزءا من هذا الجهاز الدقيق الحي ، وإلا صار في حكم الجزء المنقطع عن الجسد الإنسانى الحي والذي يتحول إلي ميتة : فإذا انقطع الجزء عن الكل صار بلا نفع ، وإذا انقطع العضو عن الجسد صار ميتة - وما لم يتصل بالكل مرة ثانية ، يكون ميتا لا خبر عنده عن الروح - وإذا تحرك فليس هذا في حد ذاته دليلا علي حياته ،

--> ( 1 ) خليفة عبد الحكم : عرفان مولوى - الترجمة الفارسية لأحمد محمدي وأحمد مير علائى ص 153 والنص من الترجمة العربية لكشف المحجوب للهجويرى لكاتب هذه السطور وآخرين ص 192 القاهرة 1974 . ( 2 ) البيتان 3578 - 3579 من هذا الكتاب . ( 3 ) كشف المحجوب الترجمة العربية ص 291 .